أحمد بن محمد القسطلاني
234
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وهو السفيه ( فدفع ) وللأبوين : ودفع ( ثمنه إليه وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه ) وهذا حاصل ما فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيع المدبر ( فإن أفسد بعد ) بالضم أي فإن أفسد الضعيف العقل بعد ذلك ( منعه ) من التصرف ( لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن إضاعة المال ) كما مر قريبًا ( وقال ) عليه السلام ( للذي يخدع في البيع ) أي يغبن فيه ( إذا بايعت فقل لا خلابة ) كما مرّ أيضًا ( ولم يأخذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ماله ) أي مال الرجل الذي باع غلامه لأنه لم يظهر عنده سفهه حقيقة إذ لو ظهر لمنعه من أخذه . 2414 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : " كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ ، فَكَانَ يَقُولُهُ " . وبه قال : ( حدّثنا موسى بن إسماعيل ) المنقري قال : ( حدّثنا ) ولأبي ذر : حدّثني بالإفراد ( عبد العزيز بن مسلم ) القسملي المروزي ثم البصري قال : ( حدّثنا عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : كان رجل ) اسمه حبان بن منقذ الأنصاري الصحابي ابن الصحابي المازني ( يخدع في البيع ) وكان قد شج في بعض مغازيه مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحجر من بعض الحصون فأصابته في رأسه مأمومة فتغير بها لسانه وعقله ولكنه لم يخرج عن التمييز ( فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بعد أن شكا إليه ما يلقى من الغبن . ( إذا بايعت فقل لا خلابة ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة ( فكان يقوله ) وعند الدارقطني فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له الخيار فيما يشتريه ثلاثًا فلو كان الغبن مثبتًا للخيار إلى اشتراط الخيار ثلاثًا ولا احتاج أيضًا إلى قوله " لا خلابة " فهي واقعة عين وحكاية حال مخصوصة بصاحبها لا تتعداه إلى غيره . وفي الترمذي من حديث أنس أن رجلاً كان في عقدته ضعف وكان يبايع وأن أهله أتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا : يا رسول الله احجر عليه فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنهاه ، فقال : يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع فقال : " إذا بايعت فقل هاء ولا خلابة " . واستدلّ به الشافعي وأحمد على حجر السفيه الذي لا يحسن التصرف ، ووجه ذلك أنه لا طلب أهله إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحجر عليه دعاه فنهاه عن البيع وهذا هو الحجر . وقال الترمذي : وفي الباب عن ابن عمر حديث أنس حسن صحيح غريب والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم وقالوا : يحجر على الرجل الحر في البيع والشراء إذا كان ضعيف العقل ، وهو قول أحمد وإسحاق ولم ير بعضهم أن يحجر على الحر البالغ انتهى . وهو قول الحنفية . وسبق هذا الحديث في باب ما يكره من الخداع في البيع في كتاب البيوع . 2415 - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - : " أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ " . وبه قال : ( حدّثنا عاصم بن علي ) الواسطي قال : ( حدّثنا ابن أبي ذئب ) محمد بن عبد الرحمن ( عن محمد بن المنكدر ) بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني ( عن جابر ) هو ابن عبد الله الأنصاري ( - رضي الله عنه - أن رجلاً ) من الصحابة يسمى بأبي مذكور ( أعتق عبدًا له ) يقال له يعقوب ( ليس له مال غيره ) وأطلق العتق هنا وقيده في الرواية السابقة بقوله عن دبر فيحمل المطلق على المقيد جميعًا بين الحديثين ( فردّه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) تدبيره ( فابتاعه منه ) أي ابتاع العبد من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثمانمائة درهم ( نعيم بن النحام ) بنون مفتوحة وحاء مهملة مشددة ، وقوله ابن النحام وقع كذلك في مسند أحمد وفي الصحيحين وغيرهما ، لكن قال النووي قالوا وهو غلط وصوابه فاشتراه النحام فإن المشتري هو نعيم وهو النحام سمي بذلك لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة لنعيم " والنحمة الصوت ، وقيل هو السعلة ، وقيل النحنحة . ونعيم هذا قرشي من بني عدي أسلم قديمًا قبل إسلام عمر ، وكان يكتم إسلامه . قال مصعب الزبيري : كان إسلامه قبل عمر ، ولكنه لم يهاجر إلا قبيل فتح مكة وذلك لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم فلما أراد أن يهاجر قال له قومه أقم ودن بأي دين شئت . وقال الزبير ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يا نعيم إن قومك كانوا خيرًا لك من قومي " قال : بل قومك خير يا رسول الله قال : " إن قومي أخرجوني وإن قومك أقرّوك " فقال نعيم : يا رسول الله إن قومك أخرجوك إلى الهجرة وإن قومي حبسوني عنها انتهى . فإن قلت : ما وجه